محمد بن علي الشوكاني
92
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
أما ما ذهب إليه الشوكاني في التوسل والتشفع بدعاء الصالحين ، فهو رأي صائب ، واستدلال صحيح ، غير أنه لم يفرق - رحمه الله - بين هذا النوع من التوسل ، وبين التوسل بالذوات والأشخاص ، فاختلط الأمر عليه ، فخلط بينهما وجعلهما نوعا واحدا ، كما اختلط عليه الأمر أيضا بين التوسل بالذوات والأشخاص ، وبين التوسل بالأعمال الصالحة ، فجعل الأول كالثاني في الجواز ، فوقع بذلك في أخطاء . وإليك بيانها : أ - التوسل بذات المتوسل به إلى الله تعالى ، أو بجاهه ، أو منزلته ، أو نحو ذلك ، عمل غير شرعي ، سواء كان المتوسل به نبيا من الأنبياء ، أو عالما من العلماء ، لأنه لم يأمر به الله ، ولا بلغه رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ولم ينقل عن أحد من الصحابة أو من بعدهم من القرون الخيرة أنه يعمل به ، إذ لو كان مشروعا لفعلوه ، ولسبقونا إليه ، فإذا لم يفعلوه دل ذلك على عدم مشروعيته . وقد تقرر في الكتاب العزيز ، والسنة المطهرة أن الإسلام مبني على أصلين عظيمين : ( أحدهما ) : أن لا نعبد إلا الله . و ( الثاني ) : أن لا نعبده إلا بما شرع ، كما تقرر أن الدعاء نوع من أنواع العبادة ، بل هو أجلها وأعظمها . فمن دعا المخلوقين من دون الله ، واستغاث بهم ، كان مشركا به - سبحانه - ، ومن توسل في دعائه إلى الله بالمخلوقين ، أو أقسم عليه بهم كان مبتدعا بدعة ما أنزل الله بها من سلطان ، لأنه عمل غير مشروع . وهذان الأصلان هما تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله . ولهذا قال الفقهاء : العبادات مبناها على التوقيف ( 1 ) أي لا بد فيها من ثبوت النص الشرعي المستلزم مشروعيتها واستحبابها .
--> ( 1 ) انظر " قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة " لشيخ الإسلام ابن تيمية ص 20 تحقيق د . ربيع بن هادي المدخلي .